في عالم يشهد ضجة كبيرة حول الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه التقنية مثل غمامة تغطي كل مجالات التكنولوجيا الأخرى. ومع تزايد التوقعات حول إمكانياتها، أصبح من الضروري أن نعيد النظر في واقعها وفهم الفجوة بين ما يتم تصوره وما هو ممكن.

حيث إن تقديرات شركة غولدمان ساكس (Goldman Sachs) تشير إلى أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي سيتجاوز تريليون دولار في السنوات القادمة، لكن هل هذه الاستثمارات ستترجم إلى نتائج فعلية؟

في جلسة نقاشية مثيرة في قمة الويب قطر 2025، طرح عدد من  القادة البارزين في مجال التكنولوجيا كريم جويني، الرئيس التنفيذي لشركة “ثاندر كود” (Thunder code) وأحد مؤسسي شركة “إكسبنسيا” (Expensya) المتخصصة في إدارة النفقات، ومحمود لوكات، المدير التقني في “تك نوليدج” (TechKnowledge)، وهي شركة استشارية ساعدت الشركات والحكومات حول العالم في التحول الرقمي، ولارس غرمان، الرئيس الرقمي لمجموعة “قطر إنشورانس غروب” (Qatar Insurance Group) بعض النقاط المهمة حول الفجوة بين التوقعات والواقع في مجال الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي في مواجهة الواقع.. الفجوة بين الحلم والإنجاز

بدأت الجلسة بكلمة من كيلسي كانغ، مضيفة الجلسة من “تايبينغ غلوبل” (Typing Global)، التي طرحت سؤالا كبيرا: هل يتوقع القادة الكثير من الذكاء الاصطناعي؟ ومع استمرار الإنفاق على هذا الأخير، كيف يمكن لقادة الأعمال أن يحققوا التوازن بين الاستثمار في هذه التكنولوجيا وبين تحقيق نتائج فعلية وملموسة في سير العمل؟

في إجابة على هذا السؤال، أبرز كريم جويني، أحد التحديات الكبيرة التي يواجهها قطاع الذكاء الاصطناعي، وهو تبني هذه التكنولوجيا بشكل عام.

حيث أشار إلى أن نصف سكان أوروبا الغربية لم يستخدموا بعد حلولا تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مما يخلق منحنى تبنّي يحتاج وقتا للتأقلم.

كما أشار أيضا إلى ضرورة أن يصبح الذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من سير العمل اليومي في الشركات، حيث لا يكفي أن يكون مجرد تطبيق منفصل يستخدم عند الحاجة. ومن وجهة نظره، فإن تحديات الخصوصية والأمان هي عوامل تؤخر أو تبطئ من عملية التبنّي، ويجب أن تحل قبل تحقيق التقدم المطلوب.

أحد التحديات الكبيرة التي يواجهها قطاع الذكاء الاصطناعي هو تبني هذه التكنولوجيا بشكل عام (الجزيرة)

التحديات التقنية والعمليّة

تحدث محمود لوكات، المدير التقني في “تك نوليدج” عن 4 مجالات رئيسية تسهم في خلق الفجوة بين التوقعات والواقع في الذكاء الاصطناعي. وقال: “إذا كانت لديك إستراتيجية شاملة للذكاء الاصطناعي على مستوى الإدارة العليا، فإنك تكون قد وضعت الأساس لتطبيق هذه التكنولوجيا بنجاح”.

وقدم 4 خطوات من وجهة نظره لتطبيق الذكاء الاصطناعي بنجاح داخل المؤسسات:

  • تحديد المشكلة: لا تقم بمشاريع الذكاء الاصطناعي لمجرد أنه الذكاء الاصطناعي. عليك إيجاد البيان الصحيح للمشكلة. انظر إلى عملك، وأين توجد الكفاءات غير المُستغلة، وأين يوجد الاحتكاك اليدوي في تجربة العميل، وأين يعاني العملاء من مشاكل. اعثر على مشكلة تجارية لحلها والتي ستضيف قيمة.
  • تقييم البيانات: هل لديك البيانات المناسبة لدعم التنسيق المطلوب؟ إذا لم يكن لديك ذلك، ضع إستراتيجية بيانات في مكانها، وأنشئ بحيرة بيانات لدعم مبادراتك.
  • البحث عن الحالات السريعة لدعم القيمة: ابحث عن الحالات التي ستثبت قيمة الذكاء الاصطناعي بسرعة. هذا سيمنحك ولمُنظمتك الثقة، وستتمكن من التوسع بناء على هذه النجاحات السريعة.
  • الاستثمار في الأشخاص: الموارد البشرية هي العنصر الأهم في هذا التحول. يجب الاستثمار في نوع جديد من المواهب، مثل رئيس الذكاء الاصطناعي، وعالم البيانات، ومعماري الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي في قطاع التأمين.. الفرص والتحديات

من جهة أخرى، سلط لارس غرمان الضوء على الفرص الفريدة التي يمكن أن يقدمها الذكاء الاصطناعي في صناعة التأمين، والتي تعدّ من الصناعات المنظمة بشدة.

ففي حين أن التأمين قطاع قائم على البيانات، إلا أن التحدي يكمن في كيفية دمج الذكاء الاصطناعي بشكل فعال داخل هذا الإطار التنظيمي. وقال: “إذا فكرت في الذكاء الاصطناعي، أفكر في الكنز الذي نملكه، وهو بياناتنا الخاصة. لذا، نفعل الكثير من أجل قطاع التأمين، ونشرف على قمتنا الخاصة في هذا القطاع.”

في السياق ذاته، أوضح أن الشركات في هذا المجال يجب أن تكون في موقع السيطرة على بياناتها، مع الوصول إلى الأدوات السحابية المتقدمة التي تمكنها من تحقيق الكثير بنفسها.

كما أكد أهمية التركيز على “الأصول الرقمية” المعتمدة على البلوكشين (Blockchain) والتأمين التنبؤي كفرص واعدة للمستقبل، حيث يعد الذكاء الاصطناعي الأداة الأساسية لتحقيق هذه الأهداف بسرعة وكفاءة.

وأضاف أن التأمين يمكن أن يستفيد من الذكاء الاصطناعي في عدة مجالات مثل التسعير، وإدارة المطالبات، وتحسين تجربة العملاء.

ومع تزايد أهمية هذه الأدوات الرقمية الجديدة، أصبح من الضروري العمل مع البيانات المتاحة داخل الشركات، بدلا من الاعتماد على الشركات الكبرى والناشئة، مؤكدا أن هذا النهج هو ما سيجعل الشركات قادرة على تحقيق أهدافها الإستراتيجية بنجاح.

الذكاء الاصطناعي في الأتمتة.. مفاتيح النجاح

كريم جويني، الذي أسس أيضا شركة “إكسبنسيا” (Expensya) لإدارة النفقات، تحدث عن نجاحه في توسيع نطاق حلول الذكاء الاصطناعي لسير العمل داخل الشركات. كما سلط الضوء على ما يسمى “الذكاء الاصطناعي الوكيل” (AGL)، الذي يتيح تفويض أجزاء من سير العمل إلى الذكاء الاصطناعي التوليدي، وهو يختلف عن الروبوتات التفاعلية.

وأوضح كريم أن أول خطوة في تطبيق الذكاء الاصطناعي هي تحديد مشكلة قوية والأفضل أن تكون مشكلة عالمية، حتى يكون هناك سوق عالمية، ولكن يجب أن تكون أيضا مشكلة يشعر بها الناس فعليا، التي يمكن أن تحلها هذه التكنولوجيا.

على سبيل المثال، أحيانا تكون هناك نقاط ألم اعتاد الناس على قبولها، مثل أن الأمور لا تعمل بشكل جيد لكنهم صاروا يعتبرون ذلك جزءا من الحياة، لأنهم لم يجدوا لها الحلّ.

بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون هذا الحل سهل التكامل مع سير العمل الحالي للشركة، ولا ينبغي تغيير كيفية تشغيل الشركة أو العمل.

بينما تواصل الشركات والحكومات الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن هذه التكنولوجيا من تحقيق التوقعات الكبيرة التي أحيطت بها؟ وفي ظل التحديات التقنية والعملية التي تعترض طريقها، كيف يمكن للمنظمات أن تتغلب عليها لتحقيق نتائج ملموسة؟

إن الطريق أمامنا لا يزال مليئا بالغموض، ولكن إذا كانت هذه الثورة التكنولوجية ستنجح، فإن الإجابة على هذين السؤالين قد تكون مفتاح المستقبل.

شاركها.
Exit mobile version