يخلو خطاب حزب الله من التماسك أمام تحولات الداخل والخارج، ويواجه ضغوطا إقليمية ودولية غير مسبوقة بدأت تحدّ من خياراته الضيقة أصلا. لكن وبرغم ذلك، ما زال قادته يبعثون برسائل متضاربة تعكس ارتباكا في الرؤية.
ففي حين يلوح الأمين العام الشيخ نعيم قاسم بجولات قتال جديدة مع إسرائيل، يكرر في الوقت نفسه شعارات التمسك بالعيش المشترك، وتطبيق اتفاق الطائف، واحترام القرارات الدولية، فيكشف عن غير قصد ولا نية أن هذه الازدواجية لم تعد مقنعة، وغير قادرة على إخفاء حقيقة لا مفر منها، مضمونها يفيد بأن أدوات الماضي فقدت فاعليتها.
وظيفة السلاح التي دامت نحو أربعة عقود فقدت مبرراتها. حرر حزب الله الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي في 2000، محققا نصرا كبيرا على إسرائيل يشهد له. لكن بدلا من الانخراط في الدولة وتحقيق المكاسب السياسية في حينه، اختار الحزب الاستمرار بحمل السلاح تحت أكثر من مبرر، مثل: احتلال إسرائيل مزارع شبعا، والخطر الإسرائيلي الوجودي الدائم.
مذاك، خفت وهج السلاح محليا، وبدأت وظيفته بالتراجع في أوساط الرأي العام اللبناني تحت هذه المسميات، لكن الظروف السياسية الضاغطة في المنطقة، ساعدته على الاستمرار، خصوصا بعد اندلاع الثورة السورية، ثم تدخله المباشر فيها.
هذا التدخل كشف وظيفة السلاح، وأثبت أنه لم يعد سلاحا مقاوما كما كان من ذي قبل، وإنما “ذراع عسكرية” إيرانية وظيفتها حماية إيران ومشروعها النووي.
بعد ذلك، قلب زلزال “طوفان الأقصى” في غزة الموازين كلها، فأجبر حزب الله على التدخل تحت شعار ابتكره الحزب بنفسه، وهو وحدة الساحات. ثم بدأت الحرب ضد إسرائيل بالتصاعد حتى بلغت ذروتها في سبتمبر/أيلول الفائت، وأدت إلى “خراب البصرة”.
اليوم، يتمرد “حزب الله” على هذا الواقع الجديد، وهو الذي يتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية ما تم الوصول إليه، محاولا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في عملية “إنكار” للمتغيرات التالية:
1- الحرب الإسرائيلية: تلك الحرب أفقدت سلاح “حزب الله” وظيفة “الردع”، التي رددها الحزب منذ حرب 2006. لم يستطع هذا السلاح حماية لبنان من الاعتداءات الإسرائيلية. بل لم يستطع حماية بيئة الحزب من التهجير، ولا حتى حماية كبار قادته الذين اغتيلوا في الأسبوعين الأولين من الحرب الشاملة.
بعد ذلك بأشهر قليلة، توالت الضربات الإسرائيلية ضد برنامج إيران النووي، فأثبتت مرة أخرى أن “الذراع الإيرانية” في لبنان قد عطلت بالكامل وأجبرت على الانكفاء.
اليوم تستبيح إسرائيل سماء لبنان من جنوبه إلى شماله، بينما يعجز حزب الله عن الرد… وهذا ما يطرح أسئلة كثيرة عن جدوى بقاء هذا السلاح.
2- سقوط النظام السوري: شكل سقوط بشار الأسد في دمشق، في غضون أسبوعين، الضربة الأقوى للحزب. سقوط نظام الأسد أفقد حزب الله عمقه الإستراتيجي، وخط إمداده من طهران، إلى بغداد، مرورا بدمشق ووصولا إلى بيروت.
يحاول الحزب اليوم إعادة إحياء هذا العمق بواسطة التهريب، لكن من دون جدوى. تارة من خلال تهريب الأسلحة عبر الحدود السورية- العراقية، وتارة أخرى عبر الحدود السورية مع لبنان.
هذا الواقع لا يبدو أنه آيل إلى التغيير في المدى المنظور، كما أن الرهان على تبدل المشهد السوري بات أشبه بحلم يراود مخيلة الحزب ومن خلفه طهران، خصوصا مع انطلاق عجلة استعادة الدولة السورية عافيتها التدريجية.
3- التبدل في المشهد السياسي الداخلي: انتخاب قائد الجيش اللبناني جوزيف عون رئيسا للجمهورية، ثم تسمية القاضي الدولي نواف سلام رئيسا لحكومة لبنان، قلبا التوازنات السياسية.
بعد أن استطاع حزب الله فرض ثلاثة مرشحين رئاسيين على لبنان: إميل لحود، ميشال سليمان، وميشال عون، فقد هذه الميزة اليوم، فذهب نتيجة للحرب المدمرة وخسارة الحلفاء في الداخل، إلى انتخاب قائد الجيش جوزيف عون رئيسا، بعد فراغ رئاسي دام لأكثر من سنتين.
شكلت الرئاسة اللبنانية على مدى 20 سنة “صمام أمان” أو “درع حماية” لسلاح الحزب، من خلال جذب الرؤساء الثلاثة نحو سردية المقاومة التي فقدت بريقها اليوم.
هذه المدخلات، تضع قيادة حزب الله أمام 3 خيارات، قد يصعب عليها تخطيها. بات الحزب ملزما باختيار واحدة منها. وللمفارقة، فإن هذه الخيارات تقود كلها إلى النتيجة ذاتها، بينما يمكن اختزال تلك الخيارات بالتالي:
1- التسليم الطوعي: يستطيع حزب الله التعقل، والانتقال إلى العمل السياسي الطوعي، لا العسكري، مستفيدا من “مقايضة” السلاح بمكتسبات أتت على ذكرها ورقة الموفد الأميركي توم براك، ووافقت الحكومة اللبنانية عليها بجلسة مجلس الوزراء 5 أغسطس/آب الحالي. (وزراء حزب الله وحركة أمل الخمسة خرجوا من الجلسة للتعبير عن رفضها).
هذه المكتسبات تبدأ بتمويل عملية إعادة الإعمار، وتعويض المتضررين في جنوب لبنان، وتنتهي بتسليح الجيش اللبناني، مع الإغداق على لبنان بالمساعدات العربية والغربية.
يستطيع الحزب التخلي عن السلاح مقابل الاستثمار سياسيا بقاعدته الجماهيرية الكبيرة. فللحزب جذور محلية وامتدادات إقليمية قد يصعب تخطيها. وهذا سوف يكون الخيار الأسلم.
2- شراء الوقت: يستطيع الحزب الإصرار على الاحتفاظ بسلاحه، ورفض أي محاولة لنزعه على يد الأجهزة الأمنية اللبنانية بالقوة، مستخدما “العصا الطائفية” الغليظة، من خلال تأليب الطائفة الشيعية ضد الدولة ومؤسساتها، خصوصا مع علمه المسبق بصعوبة إقحام الجيش اللبناني بمواجهة عسكرية مباشرة ضده، نتيجة الحسابات الطائفية الدقيقة التي تهدد تماسك المؤسسة العسكرية الرسمية، (قرابة 30% من عديد الجيش من الطائفة الشيعية، وتحذيرات قيادته من نتائج زجه بسيناريو مدمر كهذا).
هذا السيناريو يفترض الحفاظ على الوضع القائم الحالي (status quo)، بهدف شراء المزيد من الوقت. أي احتفاظ الحزب بما تبقى من سلاح، مقابل استمرار الاستباحة الإسرائيلية للسيادة في الجنوب والضاحية الجنوبية لمدينة بيروت والبقاع (مناطق سيطرة حزب الله) مع تلقي الضربات لأجَل مفتوح وغير مضمون النتائج.
3- مواجهة عسكرية جديدة: ثمة معلومات متواترة تفيد بأن حزب الله يرفض الإقرار بالهزيمة، ويعيد صياغة عقيدته القتالية تمهيدا لـ”رد الاعتبار”.
اكتشف الحزب أنه بالغ في الاعتماد على قدراته الصاروخية على حساب قوته الحقيقية في الالتحام والقتال الميداني. ولهذا ثمة روايات تتناقلها أوساط مقربة من قيادة الحزب في بيروت، وتفيد بأن حزب الله يتحين الفرصة لإعادة اعتباره العسكري على الأرض.
لكن حتى هذا السيناريو غير مضمون النتائج، إذ أظهر تفوق إسرائيل في مجال التكنولوجيا العسكرية، صعوبة تحرك عناصر حزب الله، ليس على الحدود، إنما في العمق اللبناني أيضا. هذه الفرضية قد تودي بحزب الله، بل بكل لبنان، إلى الانتحار الجماعي.
وبالتالي فإن هذا السيناريو قد يكون كارثيا، في حال كانت قيادة الحزب مقتنعة بجدواه. كما أن أي جولة عسكرية جديدة ضد إسرائيل، قد لا تكون موجهة ضد “حزب الله” منفردا، وإنما ضد الدولة اللبنانية برمتها، وضد منشآتها ومؤسساتها، باعتبار أن السلطة الحالية قد حصلت على فرصة للتفاوض من أجل حل معضلة السلاح وفشلت.
اليوم، يتهم حزب الله كل من يطالبه بتسليم سلاحه ولو طوعا وعبر الحوار، بالعمالة والارتهان إلى الخارج. مع العلم أن مطلب اللجوء إلى سقف الدولة ودستورها كان على الدوام مطلبا محليا بامتياز، يسبق الضغوط الدولية والغربية. بيد أن الحزب يرى في تلك المطالبات “نافذة” لشد عصب الشارع والاحتماء خلفه تحت مبررات “الخطر الوجودي”.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.