غزة- يُضيق الجيش الإسرائيلي الخناق على مدينة غزة في إطار تمهيده لاحتلالها وتهجير سكانها، وذلك في الوقت الذي يواصل فيه عمليته العسكرية في حي الزيتون الذي تتركز فيه الطائفة المسيحية وتتخذ من محيط الكنائس في البلدة القديمة تجمعا لها.
ويرفض مسيحيو غزة التهديدات الإسرائيلية باحتلال المدينة، وأعلنوا بقاءهم في كنائسهم لخدمة من سيبقون بداخلها رغم الأخطار المحدقة بهم وكثافة القصف الجوي والمدفعي في المناطق المحيطة بهم.
رفض التهجير
وكثفت قوات الاحتلال قصفها للبنايات السكنية المجاورة لتجمع الكنائس في البلدة القديمة بمدينة غزة، بهدف دفع الفلسطينيين للنزوح وترك أماكن سكنهم.
وفي إطار رفض مخططات التهجير قررت بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية والبطريركية اللاتينية في القدس بقاء الكهنة والراهبات في مُجمعي كنيسة مار بورفيريوس للروم الأرثوذكس وكنيسة العائلة المقدسة في مدينة غزة لمواصلة رعاية جميع من سيبقون في رحاب المجمعَين، اللذين تحولا لملاذ لمئات المدنيين، من بينهم كبار السن والنساء والأطفال.
وذكرت البطريركيتان، في بيان مشترك صدر في 26 أغسطس/آب الجاري، أن إعلان الحكومة الإسرائيلية نيتها السيطرة على مدينة غزة، “حيث يقيم مئات الآلاف من المدنيين وتوجد كنائسنا”، بمثابة حكم بالإعدام على أشخاص من ذوي الإعاقة يقيمون منذ سنوات طويلة في مجمع كنيسة اللاتين، ويتلقون الرعاية هناك على يد جمعية مرسلات المحبة.
وأضاف البيان “كما هو الحال بالنسبة لباقي سكان مدينة غزة، سيتعين على اللاجئين الذين احتموا داخل أسوار هذين المجمعين أن يقرروا ما سيفعلونه، حيث يعاني الكثيرون منهم من الهزال وسوء التغذية بسبب الصعوبات التي واجهوها خلال الأشهر الماضية”.
وشدد البيان على أن إعلان الحكومة الإسرائيلية أن “أبواب الجحيم ستفتح” يتخذ بالفعل أشكالا مأساوية تشير إلى أن هذه العملية ليست مجرد تهديد، بل حقيقة يجري تنفيذها بالفعل، لكن لا يمكن أن يكون هناك مستقبل قائم على الأسر أو تشريد الفلسطينيين أو الانتقام منهم.
وتجزم البطريركيتان بأن هذه ليست الطريقة الصحيحة، ولا يوجد أي مبرر للتهجير الجماعي المتعمّد والقسري للمدنيين.
وأكد البيان ضرورة إنهاء دوامة العنف، ووضع حد للحرب، لعدم وجود مبرر لاحتجاز المدنيين الفلسطينيين كأسرى ورهائن في ظروف مأساوية، كما ناشدت البطريركيتان المجتمع الدولي أن يتحرك لإنهاء هذه الحرب العبثية والمدمرة.
لا حصانة لأحد
وأسوة بحال جميع سكان غزة، يرفض المسيحيون ترك منازلهم ويفضلون الموت داخلها على إجبارهم على إخلاء المدينة.
وتقيم نور عياد في منتصف العقد الثالث من عمرها في حي تل الهوا جنوب مدينة غزة بعدما دمر الاحتلال منزلها، وترفض فكرة النزوح إلى جنوب القطاع تحت وطأة التهديدات الإسرائيلية.
وتقول نور، للجزيرة نت، إنه لا يوجد مكان آمن في قطاع غزة. وتعرضت للقصف في وقت سابق من الحرب خلال وجودها داخل الكنيسة، في الوقت الذي يدعي فيه الاحتلال أن ما يجري خطأ غير مقصود.
وفقدت نور خلال الحرب زوجها المصاب بمرض الكلى بسبب قلة الرعاية الصحية نظرا لتدمير الجيش الإسرائيلي المستشفيات، وتصر على البقاء مع أطفالها الأربعة داخل مدينة غزة رغم تهديدات الاحتلال المتواصلة باحتلال المدينة، وذلك لأن طريق النزوح صعب جدا ولا يمكن احتماله.
وتشدد نور على أن الاحتلال لا يفرق بين مسيحي ومسلم ويواصل قتله لجميع فئات الشعب الفلسطيني دون وجود حصانة لأحد، قائلة “احنا (نحن) أولاد الأرض”.
وتعرض عدد من المسيحيين لتهديدات عبر اتصالات تلقوها من ضباط المخابرات الإسرائيلية الذين هددوهم بالقتل لأنهم يرفضون النزوح وقالوا لهم “بسببكم الناس موجودة وراح نقتلكم”.
قتل وتجويع
وقصفت قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال حرب الإبادة الجماعية التي تشنها على قطاع غزة 3 كنائس رئيسية بشكل مباشر، واستهدفت بعضها أكثر من مرة، ما أدى إلى تدمير أجزاء كبيرة منها وإلحاق أضرار جسيمة بمبانيها التاريخية ومرافقها الخدمية.
وبحسب البيانات الحكومية الرسمية، التي حصلت عليها الجزيرة نت، فإن الجيش الإسرائيلي استهدف خلال عدوانه، كنيسة القديس بورفيريوس للروم الأرثوذكس، وكنيسة العائلة المقدّسة (اللاتين/الكاثوليك) وكنيسة المعمدانيين الإنجيلية في غزة.
وطال الاستهداف الإسرائيلي رجال الدين المسيحيين، في إطار سياسة ممنهجة للقضاء على التنوع الديني والوجود التاريخي الأصيل في القطاع، حيث أسفرت الاعتداءات المباشرة وغير المباشرة عن استشهاد أكثر من 20 فلسطينيا مسيحيا، بينهم نساء وأطفال وشيوخ.
وتجاوزت نسبة الشهداء المسيحيين 3% من إجمالي عدد المسيحيين في غزة، بينهم قساوسة وعاملون في الخدمة الدينية، في انتهاك صارخ للحماية التي يمنحها القانون الدولي الإنساني لرجال الدين ودور العبادة.
وتشير البيانات الخاصة إلى تعمد الاحتلال الإسرائيلي استهداف التجمعات السكنية المسيحية في محيط الكنائس، كما دمر مدارس ومؤسسات مسيحية ومنازل آمنة كانت ملاذا للأسر.
وزادت سياسة الحصار والتجويع معاناة المسيحيين بحرمانهم من المساعدات الإنسانية والمواد الأساسية.

تواصل المجازر
ورفضت معظم الطائفة المسيحية في غزة النزوح إلى جنوب القطاع منذ بداية الحرب، وفضلوا البقاء داخل المدينة.
كما أن عددا كبيرا منهم رفضوا إجلاءهم إلى خارج القطاع رغم حملهم جوازات سفر عربية وأوروبية، رغم تعرضهم للقتل والتجويع على مدار عامين من الحرب.
وارتكب الجيش الإسرائيلي في الأسابيع الأولى من حربه على غزة مجزرة مروعة عندما استهدف بالصواريخ الحربية باحات المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) التابع لمطرانية القدس الأسقفية أدت لاستشهاد أكثر من 470 فلسطينيا من المرضى والنازحين داخل أسواره.
وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول 2023 قصفت الطائرات الحربية كنيسة بورفيريوس مما أدى إلى انهيار مبنى مجلس وكلاء الكنيسة بالكامل والذي كان يؤوي عددا من العائلات الفلسطينية المسيحية والمسلمة التي لجأت إلى الكنيسة بحثا عن مكان آمن، واستشهد 18 فلسطينيا حينها بالإضافة لفقدان آخرين.
وفي 17 يوليو/تموز من العام الجاري استهدفت الطائرات الإسرائيلية كنيسة العائلة المقدسة في مدينة غزة مما أدى لاستشهاد 3 أشخاص.