مقالات

كان ذلك قبل عام من اليوم. وصلت أنباء وقوع زلزال في ولايات شرق تركيا. بصراحة، لم ندرك في ذلك اليوم أنّ هذا الزلزال سيكون أكبر وأكثر زلزال مدمّر في المائة عام الماضية. بعد توضيح المعلومات، أدركنا أنّ كارثة كبيرة قد حلّت بنا. لقد ضرب زلزالان منفصلان بقوة 7.7 درجات على مقياس ريختر 11 ولاية في منطقة تبلغ مساحتها مساحة البلقان، وذهبت بعدها على الفور إلى منطقة الزلزال. طفل نشأ على وقع الزلازل نشأتُ في مدينة تتعرض للزلازل. تقع مدينة سكاريا على خط الصدع الذي شهد زلازلَ كبيرة مدمرة. في طفولتي لطالما نشأنا على سماع القصص المرعبة للزلزال الكبير الذي وقع…

يتّفق معظم الباحثين والمراقبين على أنّ الحربَ الحالية على غزة مختلفةٌ تمامًا عن المواجهات السابقة بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال، بما جعل لها تداعيات إقليمية ودولية عديدة محتملة، بل ذهب البعض للقول؛ إنها قد تدفع نحو نشوب حرب عالمية ثالثة. التأثيرات في أي خريطة لدول العالم، لا تكاد فلسطين تظهر إلى جانب الدول الأوسع جغرافيًا، ويمثل قطاع غزة ما يقارب 2% فقط من مساحة فلسطين (360 كلم2). ورغم هذه الضآلة الجغرافية، فإن الحرب الحالية على غزة فرضت نفسها على الأجندة العالمية؛ بسبب استثنائية الحدث تخطيطًا وتنفيذًا ودلالاتٍ، والتبعات المحتملة على الاحتلال والقضية الفلسطينية. ومنها كذلك رمزية القضية الفلسطينية ومواقف الأطراف المختلفة…

كما كان مُتوقعًا، وفي سابقة تاريخيّة لم تشهدها السلفادور من قبلُ، حسم رئيسُها الحالي، ذو الأصول الفلسطينيّة نجيب بوكيلة، نتيجة السباق الانتخابي الرئاسي والتشريعي في بلاده بفوز ساحق تجاوز 85%، وسجّل حزبه الفتيّ “أفكار جديدة”، نتيجةً مدوية، حيث تجاوز 90% من مقاعد البرلمان. ورغم أن هذه النسب تُذكرنا بنتائج الانتخابات الفاقدة للنزاهة، فإن المراقبين الدوليين لم يسجلوا أيَّ إخلالات تُذكر في عملية الاقتراع، وهو ما جعل الرئيس بوكيلة ينتشي بوصفها: “سابقة في تاريخ ديمقراطيات العالم”! أكّدت النتيجة – بما لا يدَعُ مجالًا للشك – أن رهان الرئيس بوكيلة، المتمثل في تحقيق الأمن للسلفادوريين، مهما كان الأسلوب، كان الورقة الرابحة التي…

أيام تفصلنا عن انتخابات حامية الوطيس في باكستان المقررة في الثامن من فبراير/ شباط الحالي، لتفرز لنا برلمانًا فدراليًا وأربعة برلمانات محلية، تدير الأقاليم الباكستانية الأربعة، والتي تشكل أكثر من رُبع مليار نسمة. لكن هذه الانتخابات تجري في ظروف داخلية وإقليمية ودولية صعبة للغاية- لاسيما مع الفجوة التي حصلت بين العسكر الذين حكموا البلاد أكثرَ من نصف عمرها، إثر توتر العلاقة مع زعيم حزب “الإنصاف” عمران خان الذي أُقيل من الحكم، ثم تم إدانته وسَجنه، وهو التقليد الغالب بين العسكر والسياسة على امتداد تاريخ باكستان، بأن يسبق إقالةَ أي رئيس وزراء منتخب توترٌ في العلاقة، ثم حرمان من العمل السياسي يصحبه…

حجزت حركة النهضة الإسلامية في تونس لنفسها مكانة بارزة في الاهتمام المحلي والإقليمي والدولي، من خلال تجربة فكرية وسياسية مميّزة استقطبت اهتمام فاعلين سياسيين وجهات بحثية وجدت فيها مجالًا للتعمق في أسئلة تفرض نفسها في تونس، وعامة الدول العربية، بل والعالم الإسلامي، وهي التالية: إلى أي مدى يمكن لحركة إسلامية أن تتطوّر في بنيتها وطرحها إلى الحد الذي تصبح فيه جزءًا من النسيج الاجتماعي والسياسي في بلدانها؟ وهل أنّ العلاقات المتقلبة والدامية أحيانًا بينها ونظم الحكم تعود إلى عائق جوهري بنيوي صنع الصدام في كل مرة بينهما؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون سوى خيارات سياسية يعود جزء منها…

واهِم من يعتقد أن ما يحدث في غزة اليوم شأن محلي ذو علاقة ببقعة جغرافية ضيقة؛ أو مجرد أحداث عابرة لا امتدادَ لها في المستقبل. إن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إبادة وتطهير، على مرأى ومشهد من العالم الذي يقف عاجزًا عن التدخل، يدعونا إلى وقفة تأمل لاستجلاء المعاني الكبرى المُوضِّحة لحقيقة الصراع الدائر اليوم بين شعب أعزل متشبث بحقه في البقاء والوجود، ودولة متمادية في الإصرار على حرمانه من هذا الحق. ليس من السهل التفكير في المعاني الكبرى التي تُمكِّن العقل من النفاذ إلى صورة واقع آخر غير واقع التفاصيل اليومية الدامية وأعداد الضحايا الأبرياء الذين يسقطون على…

مهنة “النبّاش” مهنةٌ قديمةٌ ارتبطت عبر التاريخ بتحقيق الثراء لأصحابها الذين يعملون بأبسط الأدوات وأرخصها ليحصلوا في النهاية على أموال تحسّن وضعهم الاجتماعي. الأداة الرئيسة للنبّاش في العصور القديمة كانت تمتُّعه بالقوة الجسدية، وارتبطت أحيانًا بحبّ الاستكشاف، وهذه كانت بحاجة إلى قوّة القلب وعدم الخوف من اقتحام المخاطر والمجهول. تبدأ حكاية النبّاشين بالبحث عن الكنوز. فمنذ الأزل سعى الإنسان إلى نبش الأرض، وخوض أعماق البحار للبحث عن الذهب، والمجوهرات والأحجار الكريمة، مما يوفّر له الثراء ويحقّق له الحياة السعيدة، إذ معظم الناس ربطوا السعادة بالمال قبل ظهور الاشتراكيّة والعزف على وتر الحياة البسيطة التي ترضَى فيها النساء بخيمة، وبضع حبّات…

ليست جماعة الحوثي وليدة العقدَين الأخيرين من تاريخ اليمن، كما يعتقد البعض. كما أنها ليست حركة سياسية ظهرت بفعل الهامش الديمقراطي الذي أفرزته ظروف ما بعد تحقيق الوَحدة بين شطرَي اليمن الجنوبي والشمالي في العام 1990م، بقدر ما هي امتداد لمشروع إماميّ وضع بذرته في محافظة صعدة ومناطق الشمال ما سُمّي الإمام الهادي إلى الحقّ يحيى بن الحسين الرسي في العام 893م، وعرف فيما بعد بالمذهب الهادوي. وهي بذلك وليدة هذا المذهب والمنظومة الممتدة لأكثر من 1100 عام، والذي يرتكز على فكرة البطنين القائمة على الاصطفاء الإلهي وحصر الإمامة وقيادة الأمة في ذرية السبطَين: الحسن والحسين حتى قيام الساعة. انخراط…

دعوني أولًا أعرب عن أسفي إذ ارتكبت في مقال سابق خطأ لن أنساه أبدًا حين اقتطفتُ جزءًا من كلام مترجم للعربية من مقال نسب تزويرًا لكاتب بريطاني، قيل إنه نشر في جريدة بريطانية، وتبين أنه غير صحيح، وأخطأت عندما استشهدت به في المقال. لقد تعجلت لأني وثقت بمن أرسله لي من دون أن أبحث وأخطأت، ولا أملك إلا أن أعتذر، وأن أتعلم، وليس في هذا عيب، وأرجو أن أنال العفو من الله أولًا، والسماح منكم. ولعلي لا أجد مسوغًا أو تفسيرًا لخطأ يرتكبه مَن عمِلَ في الصحافة عقودًا متتالية، إلا التسرع والثقة الزائدة عن الحد في المصدر، فارتكب مثل هذا…

نسيء فهم روايات الأسرى لو اعتبرناها عملًا أدبيًا فحسب. هي أكثر من ذلك ولا شكّ؛ هي رسالة من ذلك المغيّب وراء الجدران، تنقل شهادته، وأحلامه، وتحليلاته السياسية ونبوءته للمستقبل. وصاحب رواية اليوم يقبع في سجنه منذ 35 عامًا، قضى 12 عامًا منها في حبس انفرادي تحت الأرض، وبهذا فهو لم يشهد بعينيه الواقع الفلسطينيّ ما بعد أوسلو، ولكنّ أصداءه وصلت له، وقد سجّل في الرواية- التي نتوقّف عندها اليوم- رأيَه في هذا المنعطف الذي اتخذته القضية الفلسطينية بعد سنوات من اتفاقات أوسلو، إذ اعتبرها “سبعًا عجافًا”، وجعل نهاية عمله مفتوحة ليقول؛ إننا لسنا في نهاية المطاف، فهل نحن اليوم بعد…

لا يمكن لإنسان أن يُبقي مشاعرَه ملتهبة طوال الوقت حيال ما يجري له أو حوله، ولا يقدر على أن يجعل الشغف يقظًا، والاهتمام قائمًا، والعناية والرعاية مستمرّتَين، دون أن يصيبه إزاءها شيء من الملل أو الفتور، وربما النفور حين تُثقل على نفسه، وتجثُم على صدره، ويراها مسببة لألم لا يطيقه. هذه الحالة النفسيّة والعصبية تنطبق على الأحداث الكبرى التي يمرُّ بها المرء أو تمرّ به، ومنها بالطبع الحروب، التي تخطف الأبصار، وتشغل الأذهان، حين تندلع، وتصبح للناس حديث الصباح والمساء، ثم لا تلبث أن تفقد جاذبيتها شيئًا فشيئًا، حتى تصير من قبيل المعطيات أو العادات اليومية الباردة. ليست الحرب الإسرائيلية…

بعد عامين تقريبًا من المفاوضات الشاقة بين تركيا والولايات المتحدة حول طلب الأولى شراء 40 مقاتِلة من طراز (إف-16) الأميركية، وما يقرب من 80 من مجموعات التحديث، قرّرت واشنطن أخيرًا أن الوقت قد حان لإتمام الصفقة. ومع أن تقديم الإدارة الأميركية إخطارًا رسميًا للكونغرس بالصفقة جاء في إطار عملية المساومة مع أنقرة على مصادقة الأخيرة على عضوية السويد في حلف شمال الأطلسي الناتو، مقابل تحرك واشنطن لإتمام صفقة المقاتِلات، إلا أن الدوافع الأميركية لتمرير هذه الصفقة تتجاوز في الواقع ملفّ السويد، وإن لعبت المساومة بين المسألتين دورًا حاسمًا في النهاية. هذه الدوافع بدأت بالظهور بعد الحرب الروسيّة على أوكرانيا، عندما…

لم يشهد العالم المعاصر إبادة جماعية وتطهيرًا عرقيًا، بلغَ فيه التدمير وإزهاق الأرواح وترويع الأهالي وهدم المباني، كلَّ هذه القسوة كالذي يحدث اليوم في غزة ويتابعها العالم الحر، كما لو كان في صالة سينما، يتأثر من هول المشاهد الدموية، لكن دون أن يدفعَه الضميرُ الإنسانيُّ إلى وقف مشاهد الرعب والموت التي تبثّ على الهواء مباشرة. لقد سيطرت غزة – بصمودها أمام طيران وبوارج ودبابات جيش الاحتلال – على الأحداث وشغلت كبريات عواصم العالم بدون منازع، فهي اليوم الحدث الذي لا يُعلى عليه. ومع ذلك هناك عوالم كثيرة تجري على ساحاتها، أحداث كبرى شديدة الارتباط، وتدفع بقوّة نحو إعادة ترتيب المسرح…

منذ أحداث “طوفان الأقصى”، وموقفُ الأزهر الشريف- مؤسسةً وشيخًا- موقفٌ مشرف، ومساند لأهل فلسطين عامة، وغزة خاصة، وفي القلب منهم: المقاومة. وهذه المواقف أزعجت كثيرًا الساسة الإسرائيليين، وإعلامهم، وقد تكرر هجومهم وتحريضهم معًا منذ بداية الأحداث، حيث إن الراصد خطابَ الأزهر وشيخه سيجده خطابًا متواكبًا مع الكوارث المستمرة في غزة. فقد نشر- مؤخرًا- موقع وقناة الجزيرة مباشر، تفاصيل هجوم القناة (12) الإسرائيلية على الأزهر وشيخه، وعلى مناهج الأزهر كذلك، وقد طالب سياسيون إسرائيليون من قبلُ بالضغط على شيخ الأزهر لإسكاته، أو تغييره، مما يطرح عدة أسئلة هنا: هل تغيّر الأزهر فتغيرت نبرة الصهاينة ضده، وضد مناهجه؟ وهل المشكلة في المنهج…

في محاضرة عامة بمكتبة الإسكندريّة دُعيت إليها في غمرة العمل الثقافيّ والسياسيّ الذي ملأ الدنيا وشغل الناس في أعقاب ثورة 2011 المصرية، سُئلت في تلك المحاضرة: عن رأيي في علاقتنا بإسرائيل؟ أجبت: «أريد علاقة طبيعية بيننا وبين إسرائيل»!! وَجَم أكثر الحاضرين، إذ كان موقفي من اتفاقية كامب ديفيد معلنًا غير خفيّ، ومدونًا في طبعات متتالية من كتابي: (في النظام السياسي للدولة الإسلامية)؛ وكذلك كان موقفي من التطبيع، بجميع صوره، مع العدوّ الصهيونيّ منشورًا في عشرات المقالات، ومسجلًا في عدد كبير من المقابلات التلفزيونية. وكنت في زمن غير بعيد من تاريخ تلك المحاضرة، قد خضتُ معركة مع شيخ الأزهر وقتها، على…

2026 © اخبار قطر. جميع حقوق النشر محفوظة.